ابن عطاء الله السكندري

19

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

كالدلو فإن هب عليه هوى الشهوة حركه وإن هب عليه خاطر للتقوى حركه ، فتارة يغلب عليه خاطر الهوى وتارة يغلب عليه خاطر التقى حتى يعرفك مرة منه ومرة قهره ، فمرة يغلب عليه خاطر التقى ليمدحك ومرة يغلب عليه خاطر الهوى ليذمك ، فالقلب بمثابة السقف فإذا أوقد في البيت نار صعد الدخان إلى السقف فسوده ، فكذلك دخان الشهوة إذا نبت في البدن صعد دخانه إلى القلب فسوده . إذا ظلمك القوى فارجع إلى القوى ولا تخف منه فيسلط عليك مثال من يشهد الضرر من المخلوقين كمن ضرب الكلب بحجر فأقبل الكلب على الحجر يعضه ولا يعرف أن الحجر ليس بفاعل فيكون هو والكلب سواء . مثال من يشهد الإحسان من المخلوقين كالدابة إذا رأت سايسها بصبصت ويدنو إليها مالكها فلا تلقى إليه بالا ، فإن كنت عاقلا فاشهد الأشياء من اللّه عز وجل ولا تشهدها من غيره ليس التائه من تاه عن سبيل الهدى . تطلب العز من الناس ولا تطلبه من اللّه فمن طلبه من الناس فقد أخطأ الطريق ومن أخطأ الطريق لم يزده سيره إلا بعدا فهذا التائه حقا : إذا قلت لا إله إلا اللّه طالبك اللّه بها وبحقها وهو أن لا تنسب الأشياء إلا إليه . مثال القلب إذا سلمته إلى النفس كمن تعلق بغريق فغرق كل واحد منهما ، ومثال النفس إذا سلمتها للقلب كمن أسلم نفسه إلى عوّام قوىّ فسلمها له فلا تكن ممن سلم قلبه إلى نفسه فهل رأيت بصيرا قلد نفسه إلى أعمى يقوده . إن أمكنك أن تصبح وتمسى وما ظلمت أحدا من العباد فأنت سعيد فإن لم تظلم نفسك فيما بينك وبين اللّه فقد تكملت لك السعادة فاغلق عينيك وسد أذنيك وإياك وإياك وظلم العباد . ما مثالك في صغر عقلك وكونك لا تعلم ما عليك من الملابس إلا كالمولود تكسوه أمه أحسن الملابس وأفخرها وهو لا يشعر وربما دنسها ونجسها فتسرع إليه أمه وتكسوه أخرى لئلا يراه الناس كذلك وتغسل ما تنجس وهو لا يعلم ما فعل به لصغر عقله . عن الشيخ أبى الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه أنه قال : قيل لي يا علي طهر ثيابك من الدنس تحفظ بمدد اللّه في كل نفس فقلت وما ثيابي ؟ فقيل لي إن اللّه كساك حلة المعرفة ثم حلة التوحيد ثم حلة المحبة ثم حلة الإيمان ثم حلة الإسلام ، فمن عرف اللّه صغر لديه كل شئ ، ومن أحب اللّه هان عليه كل شئ ، ومن وحد اللّه لم يشرك به شيئا ، ومن آمن باللّه أمن من كل شئ ، ومن أسلم للّه قلما يعصيه وإن عصاه اعتذر إليه وإن اعتذر إليه قبل عذره ، قال فهمت من ذلك قوله تعالى : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) [ المدثر : 4 ] ، يا من عاش وما عاش تخرج من الدنيا وما ذقت ألذ شئ فيها وهي مناجاة الحق سبحانه ومخاطبته لك فأنت ملقى جيفة بالليل فإن دفعت عنه فاستغث باللّه وقل يا ملائكة اللّه ويا رسول ربى فاتتنى